حوار مع الخطاط حامد العويضي / حاوره: حبيب حيدر

حوار مع الخطاط حامد العويضي





في 19 يونيو 2007 كتبها حبيب حيدر




دخلت دار البارح فأخذتني صوفية الحروف وكأني في صومعة ساخنة الروح هادئة الخطى، فهاهو الثلث يزهو ببهائه كناسك يأخذك بنور هالته وبهائه وقد ارتدى كامل حلته ساعة الحضور، وهاهو الفارسي في ساعة الوصال يتراقص برشاقه خصره كحصان وسط عدو من الحروف وهي تزيّن بياض الكثير من اللوحات، وربما يأخذك الجلي ديواني وهو يتنقط بتيجانه إلى شيء من فرحة الكشف، ويحلو لك أن تسمع جرة القصب وصوت صريره وهو يتنقل في الصفحة من حرف لآخر، ويحلو لك أن تنقل عينيك إلى ظل اللون مرة بالأحمر وأخرى بالأسود وهو ينحني مرة راكعا ومرة أخرى ساجدا، وكأن ثمة امتزاج بين روح وأخرى وهي تحمل امتزاج الحروف في بعضها حين تصنع التكوين، وثمة موسيقى حروفية الخطى تنثر الإيقاع هنا وهناك فتتوازن في جهة وتتساقط خاشعة في جهة أخرى، ولا من صخب أوتلجلج وأنما تأن يأخذك أليه الفنان حامد العويضي في معرضه وبين لوحاته وهو ينثر تجربته في هدوء ودعة وإخلاص للطين والسمرة البهية فيبدأ بأول كلمة " أنا من الجنوب، من مصر حيث نبات القصب آلة الخط الرصينة الأصيلة كأهلها، ويأتيه الشاي فيلقي في كأسه قطرات تخال أنها دواء ولكن ثمة رائحة زكية أشبه بالكاكاو ربما تكون قطفة للمزاج من أعشاب الجنوب ربما ذلك… ثم تنسى أمر الشاي والقطرات، وتعود للحديث عن الخط فيفضي لك البوح الكثير من الأسرار تكشفها للصاحبك لعله يقرأ من خلالها تجربة الحروف وهي تشتبك وتتداخل لتصنع اللوحة.





1. لكل فنان رحلته التي يكتشف فيها ذاته ويختبر فيها إبداعه وفيها تنمو موهبته فكيف بدأت رحلة الخطاط حامد العويضي مع الخط العربي.

بدأت رحلتي مع الخط العربي منذ المرحلة الابتدائية حيث كان مدرس اللغة العربية يتميز بخطه الجميل وكان يدرسنا كذلك في حصة الخط وقد كان يجعلني أكتب كثيرا فأعمد إلى محاكاة خط كتاب القراءة وقد كان كتاب القراءة بيد الخطاط " أبو الخير " وهو من كبار الخطاطين وكان حجم الخط كبيرا وجميلا ولعل السبب الثاني هو أقلام البسط " القصب" فأنا من الجنوب وهذا النبات ينوا بشكل طبيعي في أرضنا حيث كنت آخذه وأجلس وأكتب به إلى أن حصلت على الثانوية العامة وحضرت إلى القاهرة بهدف الدراسة الجامعية، وهناك تعرفت على كتب الخط العربي في المكتبات وتعرفت على مدارس الخط العربي وأساتذته الكبار وقررت الالتحاق بها إلى جانب دراستي في كلية الإعلام والصحافة وصرت أدرس الصحافة في الصباح وفي المساء أدرس الخط، وهنا تعمقت في هذه الموهبة على أساتذة الخط العربي الكبار وتعرفت على أسرار الحروف ثم حصلت على الدبلوم بعد أربع سنوات دراسية ثم الدبلوم العالي بعد سنتين أخريتين.

ثم بعد ذلك عملت في الصحافة قسم الإخراج ووظفت الخط العناوين الرئيسية والمانشستات وصفحات المنوعات، أما المعارض فقد بدأت بها في طوكيو عام 88 وكان أول معرض لي حيث كنت أعمل مع شركة يابانية تعمل في حقل اتللغة العربية ولاقى المعرض استحسانا واهتماما حيدا وقد كتبت عنه الصحافة اليابانية في حينها، وبعد ذلك عند ما عدت للقاهرة واصلت العمل على إنجاز أعمال فنية بهدف عرضها في المعارض،
وقد عرضت بعد ذلك في أماكن مختلفة منها في القاهرة ومنها في الأكاديمية المصرية للفنون بروما وعرضت في الشارقة وفي الجماهيرية الليبية ها أن الآن في معرض البحرين.

2. وماذا عن أهم المراحل الفنية التي قطعها العويضي في رحلته الفنية مع الخط العربي وبم تميزت هذه المراحل.

إن فن الخط ممارسة ويقول الأقدمون الخط مخفي في تعلم الأستاذ وقوامه كثرة المشق وكثرة المشق هذه تعني كثرة التمرين، وكلما تمرنت أكثر أحسست أني أعبر مرحلة أخرى، وفي كل مرحلة تستغرقني حالة من الحالات الفنية التي أقوم فيها بتجريب ما يناسبها من خامات فنية فلكل حالة خامة فنية تناسبها أكثر أقوم بتجريبها وأعبر بها مرحلة جديدة فأضيفها لتجربتي وربما تبدوا في يوم من الأيام مرحلة جديدة لها ما يميزها بحسب الحالة والتجربة وخاماتها وفترتها الزمنية.

3. من العادة أن يكون لكل فنان خاماته التي يألفها وتالفه وتكون بينهما علاقة فنية روحية، فماذا عن أهم الخامات التي يستخدمها الخطاط حامد العويضي في أعماله.

أنا عادة ما استخدم أصباغ الأكاسيد وهي غالبا ما تعطي نتيجة جيدة لدي وعادة لا أستخدم السطح العادي للورق بل أعد السطح الذي أخط عليه قبل البدء بصناعة اللوحة سواء بالألوان أو المواد التي تجمل اللوحة وتثقلها وتعطي أرضيتها أبعادا أعمق وقد عملت قليلا على الزيت والكانفس وأفضل الورق وهي الخامة الأصلية التي أستخدمها مع التنويع في الطريقة التي أعد بها اللوحة وكذلك التنويع في اختيار المجموعة اللونية، فأحيانا أدهن الورقة بزلال البيض مما يعطي الورقة ثقلا أكثر وعمرا أطول وقد اقتبست هذه الطريقة من كتب التراث وكذلك أقوم بطلاء الورقة بالشاي مما يعطيها إحساسا بالقدم وأحيانا بألوان البانجر الأحمر وبعض الخامات الطبيعية وأصباغ الأكاسيد بتكوريناتها مما يعطي فرصة لا ختبر قدرة اللون على التعبير وما إذا كنت أريده قاتما أو باهتا مما يعطي الاحساس بتدرج مستوى الألوان.

4. من العادة أن يتفرد كل فنان بخصوصياته في لحظة الإلهام فكيف هي لحظة الإلهام عند الخطاط.

لحظة الإلهام تعني أن يكون " بالي رايق " فالخط انعكاس لما بداخل الفنان فمن المهم للخطاط عندما يستعد لكتابة عمل فني أن لا يكون لديه أي مصدر من مصادر التوتر وأن يكون في طمانينية تامة وليس لديه أي قلق في داخله فحالة الطمانينية تدعو الخطاط للكتابة وإعداد اللوحة الخط أمر يحالفه التوفيق ويجانبه أحيانا، وبالنسبة للفنان فهناك أعمال تنجز في وقت وجهد بسيط وأعمال يستغرق إنجازها وجهدا قتا طويلا وهو أمر يعكس مدى توفيق الخطاط في ممارسة عمله حين أبداع اللوحة.

5. يا ترى ما هو سر تعلقك بالخط الفارسي فقد يلحظ المتأمل في لوحاتك من أول وهلة كثرة اشتغالك على الخط الفارسي وخصوصا في الخلفية التي تضعها للمقولات التي تخطها بمختلف الحروف.

هذه السمة عكست مرحلة اهتممت فيها بالخط الفارسي وأبرز أعلامه وعكفت على دراسته واطلعت فيها على أعمال الخطاطين فيه مثل الخطاط مير عماد الحسيني وقبله فردوس وصاحب قلم، الخطاط حسين غلام، والخطاط خليل رسولي الذي اشتغل على الحروفيات وقد عكفت كذلك على الخط الفارسي الموجود في متحف الفن الإسلامي في القاهرة وأيضا ولا أنسى دور أساتذتي الذين كانوا يجمعون بين الخط الفرسي الإيراني والفارسي التركي، ولكني بشكل خاص أحب الفارسي الإيراني بشكل أكبر وأعتقد حاليا أنه يقل عدد الذين يجيدون الخط الفارسي في مصر خصوصا بعد الأساتذة الكبار الذين رحلوا، ولكن ما يخفف الأمر أن له محبون وعشاق كثر يحاولون أن يصلوا لمستوى الأساتذة الكبار لأنه يمثل ركنا جماليا مهما في جماليات الخط العربي.

6. لكل خطاط مدرسوه الذين أخذ عنهم أسرار خطوطهم وطورها حتى صار لخطه خصوصياته فمن هم أهم أساتذة الخطاط حامد العويضي.
لقد تتلمذت على أيدي العديد من الخطاطين وكان من أشهر الذين درسوني الخطاط الحاج محمد عبد القادر عبد الله وهو أحد أساتذة الخط العربي في الخط الديواني وهو أحد المراجع الرئيسة فيه حيث تسلم هذا الخط من أستاذه مصطفى غزلان بيك خطاط الملك فاروق ومن اساتذتي الخطاط محمد عبد القادر وهو أيضا أحد المراجع الرئيسية في دراسة الخط الكوفي بمختلف أنواعه الكوفي القديم والكوفي الفاطمي والحديث، بالإضافة غلى أنه كان يدرس لنا الثلث والنسخ ومنومن أساتذتي أيضا الستاذ محمد الشحات والأستاذ عبد الرزاق سالم وكان من المستشارين في وزراة التربية والتعليم وله كتب في دراسة الخطوط العربية تعتبر مراجعا ولكن للأسف قد نفذت طبعاتها وهي غير موجودة في المكتبات، ومن المدرسين الأستاذ حسن صالح، والأستاذ حسين أمين " رحمه الله " وكلهم درسوني الخط بالإضافة إلى دراساتي الشخصية على مجموعة من الأساتذة الذين لم ألتق بهم إلا في التمرين لأن الخط من الفنون التي تتعلمها حتى من الذين رحلوا فقد يكون هناك استاذ قد تعلمت منه الكثير وهو قد رحل منذ عشرات السنين مثل الخطاط شوقي التركي الذي رحل قبل أكثر من قرن ومجموعته مفيدة في جدا في تعليم الخط وقد استفدت منها شخصيا من بعض الأصول الموجودة في متحف الفن الإسلامي في القاهرة، وهكذا مع الخطاطين الكبار، واحب الخطاط هاشم معروف البغدادي الذي قد يكون توفي منذ ثلاثين سنة وكذلك الخطاط حسني الدمشقي أبو الفنانة الممثلة سعاد حسني وكذلك الخطاط محمد علي مكاوي الذي كان شهيرا بكتابة كسوة الكعبة، ولعل أهم شيئ للخطاط المران والإطلاع على تجارب الآخرين مباشرة أو دراستها من كتب الخط لمشاهير الخطاطين في مختلف منابع الخط العربي مثل إيران ومصر والعراق وتركيا وتباع نصيحة كثرة المشق والتمرين فالذي يكتب كثيرا هو الذي سيدرك أين أجاد وأين أخطأ ويطور من خطه ويكتسب قدرة متمكنة في إتقان الخط بجمالية أكثر.

7. من خلال نظرة للوحة أرى أن لديك ولعا بالشعر شعر الحب

نعم قد يكون هنا ولع بالشعر الروحي ولو لم يكن حبا أساسا فأنا محب للشعر ولكل معنى جميل، ألتقط المعنى الجميل من أين جاء، وهنا عمر الخيام والشاعر الألماني جوتة ومحيي الدين ابن عربي، والنفري، عمر بن الفارض ومحمد إقبال وشوقي، وفي معارض سابقة أعددت لوحات من شعر المقاومة ولوحات من شعر محمود درويش وعبد المعطي حجازي ونزار قباني ومجموعة من الشعراء العراقيين، ولكن هذا المعرض خصصته للشعر الحب الصوفي وبعض العبارات العشق الروحي وبعض الأيات القرآنية والحروف لإبراز بعدها التشكيلي وعمقها الجمالي في الخط العربي.

8. أرى أن اللوحة تتعدد أشكالها وكذلك الحروف والعبارات المقتناة بدقة، فماهي خلاصة التجربة التي تقدمها هنا في دار البارح؟

قدمت تجربة في هذا المعرض وأنا سعيد بها وأرجو أن تسعد الآخرين فقد كانت تجربة فنية على مستوى الورق المستخدم وتجربة في تعدد جسم اللوحة وشكلها وكذلك في التعامل مع النص تعاملا تشكيليا حرا يعطي الفرصة لإبراز الطاقة التشكيلية المختزنة في الخط العربي، وأما على مستوى النص المقتنى فقد اخترت بعض النصوص الصوفية أو الشعرية في الحب والعشق الروحي وبعض الآيات احتفاء بها وبعض الأحيان تكون اللوحة عبارة عن نص غير مقروء بل هي حروف وخلفية لإبراز جماليات الحرف في الخط العربي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبرز العلماء الأمازيغ الذين نسبوا الى العرب / موقع البوابة الامازيغية*

آعـظـم 100 كتاب فـي تـاريخ الـبشريـة ... (جميعها جاهزة للتحميل)

أعلام الموسيقى والغناء في العالم العربي الشيخ العربي بن صاري (1863-1964) / محمد بن عبد الرحمن بن صالح