الإبداعات الرمضانية .. بين بهجة الطقوس وحلاوة الإنتصار / محمد كمال


محمد كمال





الإبداعات الرمضانية .. بين بهجة الطقوس وحلاوة الإنتصار




..تهب علينا رياح رمضان كل عام بالسكينة والطمأنينة ، لتكتسح فى طريقها قبيل ظهور هذا الشهر الإحتقان فى الحلوق والضغينة فى الصدور ، ليحل مكانهما التسامح والتراحم ، عبر ذهن رائق وروح صافية يؤهلان العبد لأداء شعائره اليومية باجتهاد ومثابرة ، طمعاً فى المغفرة ثم العتق من النار ، بيد أن هذا لايمنع من ممارسة بعض الطقوس الشعبية التى توارثتها الأجيال فى مواضع تاريخية مختلفة ، تستشرى من خلالها البهجة فى النفوس ، مثل تناول الحلوى كالكنافة والقطائف ، والتفاف العائلات حول موائد الطعام فى ميعاد يومى موحد عند الإفطار والسحور ، والتزاور والتسامر بين الأهل والأصدقاء ، ومزاولة الأطفال للعب بالفوانيس بعد تزيينهم للحارات والشوارع بقصاصات الورق الملون المحتشد بالزخارف ، إضافة إلى متعة أداء الصلوات وتكافلية الزكاه وصيام المعدة والجوارح وتلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار ، وهو مايؤدى إلى فرار الغضب وانسحاب الكراهية ، ليضطرد العزم صوب المصالحة مع النفس والآخرين فى آن ، وفى هذا السياق الرمضانى تتعاظم مهام مهنية عنها فى شهور أخرى ، مثل المؤذن والإمام والمسحراتى وبائع الفول وتاجر الفوانيس والكنفانى ، كما تزدحم المقاهى بصنوف البشر الذ

ين يجنحون للفضفضة البيضاء ، وتكتظ السرادقات بالترانيم والمواويل واللقاءات الحميمة ، بينما تتعدد مباريات الكرة فيما يسمى بالدورات الرمضانية التى تشكل مصدراً للجذب الشعبى قبل الإفطار وبعده .. ورغم أن تلك الآليات المادية والروحية أصبحت تصب لدينا فى وعاء المألوف ، حتى أمست جزءاً أصيلاً من نسيج الذاكرة ، إلا أننى أشعر مع حلول شهر رمضان كل عام ، بارتدائه دوماً لثوب الجهاد والكرامة العسكرية ، فيستثير فينا عطر ذكرى نصر أكتوبر 1973م الذى تحقق فى اليوم العاشر من شهر الصيام عام 1393 هجرية ، حيث قام جنودنا الصائمون بتلقين الصهاينة درساً لم ينسوه حتى الآن ، بدافع من عقيدة إيمانية راسخة ، كانت آنذاك فى أوج بأسها وشدتها عبر وقود رمضانى فاعل يتسبب فى قدوم هذا الشهر كل عام محفوفاً بأرواح الشهداء ، ملتحفاً بنشوة الكبرياء ، متبوعاً بفرحة الفطر بعد الصيام ، لذا سنحاول هنا عبر هذه المساحة المحدودة الكشف عن تاثير ذلك المزيج السحرى على دماغ الحركة التشكيلية المصرية من خلال إضاءة نقدية تبادلية سريعة على نماذج لفنانين مصريين أشعت أعمالهم ببهجة الطقوس ، وأخرى استقطرت حلاوة الإنتصار ، والفريقان استظلا بالنفحات الإبداعية الرمضانية .

ففى عمل " الصلاه " للفنان محمود سعيد ( 1897م _ 1964م ) يتجلى عنصر الحركة جسدياً وروحياً من خلال طقس الصلاه كإحدى العبادات المشتركة بين رمضان وغيره من الأشهر ، بيد أنها تزداد فى هذا الشهر كمياً ونوعياً بسنن إضافية ، مثل التراويح .. ويعد التركيز الروحى والتواصل الصادق مع السماء من أهم دعائم هذه العبادة المحورية فى الدين الإسلامى .. ولاشك أن ماينضج لحظات الأداء فيها أحياناً هو معمار المسجد وطرازه الجمالى كوعاء بصرى للغة المعتقد ، وهو مااعتمد عليه محمود سعيد فى بنائه لهذا العمل الذى أنجزه عام 1934م ، حيث صور فيه عدداً من المصلين فى حالة ركوع بجلابيبهم الفضفاضة وعماماتهم البيضاء المنيرة ، داخل تصميم تسوده الأقبية الموحدة باستداراتها القوسية التى تشبه إلى حد كبير إنثناءات أجساد المصلين ، بما أكد الإنسجام العضوى لمفردات الصورة التى حرص الفنان على تخليصها من دقة التفاصيل البصرية لصالح التوهجات البصيرية .. وقد لعب الضوء هنا دوراً فاعلاً فى تعاشق نسيج المشهد المتوج بإطار روحانى رصين ، بدا فيه المصلون كبيوت عتيدة بألوان زاهدة ، فى حين ظهرت جدران وأعمدة وأسقف المسجد كأجسام بشرية من لحم ودم ، وهى النقطة المفصلية التى تكمن فيها الرسالة التعبيرية لمحمود سعيد ، حيث جوهر الفعل التصويرى المتحرك بندولياً على التوال بين الحسّين البشرى والمعمارى ، للإيحاء بذلك البنيان الإنسانى المرصوص فى بيت إلهى يحتفى بعرس نورانى فى حضرة قناديل ومشكاوات تلقى على المصلين ضوءاً سيالاً ، يمتزج فى لحظات الإبداع والتلقى بنفحات فياضة من ضياء العرش ، بما يفرز أروع لآلىء بهجة الطقس .

وعلى خط المواجهة مع العدو الإسرائيلى نجد الفنان محمود عفيفى ( 1920م _ 1984م ) وهو يصور قمة منحنى العزيمة والإصرار على جبهة القتال فى عمل " جندى 6 أكتوبر " من خلال ذلك المقاتل الذى دفع به إلى بؤرة الصورة وهو قابض على بندقيته بوجه يستعر تحت الخوذة عبر صيحة " الله أكبر " ، بما يشير إلى طاقة روحية هائلة تنسكب من خزان عقائدى عتيد ، سيما أن تلك اللحظات الخالدة تزامنت مع صيام رمضانى لم يزد الجنود إلا صلابة ، وهو مايتأكد فى ميكانيكية حركة جسد هذا الجندى مشدود العضلات .. مشتعل الأعصاب .. رشيق الأداء ، ورغم زهوه الواضح ببزته العسكرية المحكمة ، إلا أنها بدت ضيقة على جسمه الراغب فى الفكاك من أى قيد يعوقه عن إدراك هدفه المقدس ، بينما ظهرت البيادة أسفل الصورة وقد امتلأت بعنف حركة القدمين على الأرض ، وكأنها لهفة المحب وهو فى طريقه للقاء الحبيب .. أما فى عمق الصورة فقد لملم عفيفى رهط من الدبابات والطيارات والجنود تحت ظلال العلم ، فى أجواء لونية زيتية ساخنة صداحة على سطح من السيلوتيكس ، مؤطراً كل هذا بخطوط سوداء حادة تميز أسلوب الفنان الذى يقترب من سمت الزجاج المعشق بالجص ، وربما يكون هذا هو ماأبرز الشفافية الروحية والفوران العقائدى داخل العمل ، عبر ملامح ذلك الجندى الذى قد يكون صائماً كمعظم الجنود فى تلك الأيام الطاهرة ، لذا فقد حرص محمود عفيفى على منحه دور البطولة فى المشهد القتالى الذى تصدره الإنسان المصرى والعربى آنذاك ، قبل أن تستعذب الأمة حلاوة الإنتصار .

ومع جلجلة الغناء وعرق الكفاح ندلف إلى عمل " بائع متجول " للفنان محمد مصطفى ( 1924م _ 1990م ) ، والذى يجسد فيه عبر نحت جصى ملون بائع الفول الذى طالما طربنا له فى أمسيات وليالى رمضان ، وهو يعلن عن الوجبة الأكثر قرباً من وجدان ومعدة المصريين ، لذا فهى تمثل عماد مائدة السحور كزاد عفى يعتمد عليه البدن طوال فترة الصيام من اليوم ، وقد نجح مصطفى فى التقاط روح المهنة ، عبر وضع البائع المرتكن بيده وساقه اليسريان إلى عربته الحبلى بقدرة الفول ، أما ساقه اليمنى فقد ارتكز بها وقوفاً على الأرض ، بينما وضع يده اليمنى على أذنه اليمنى ، مطلقاً العنان لصوته ، منادياً جموع الناس ، كى يسوق سلعته المألوفة على أنغام مشهية وكأنه يؤدى موالاً شعبياً ، وهو مابدا على وجهه من انفعال إندماجى وحمأة تعبيرية ، وقد نجح الفنان هنا فى توظيف ظاهرة " التراسل " بين السمعى والبصرى من خلال امتزاج النزعة الغنائية الشعبية عند البائع مع آثار البصمات العفوية لأصابع مصطفى نفسه على التمثال ، بما أنتج جديلة إيحائية من تلقائية الشدو وبساطة الملابس وجماهيرية طبق الفول كركيزة على مائدة سحور رمضان ، وأحياناً على مائدة إفطار الفقراء ومنهم البائع ذاته ، حيث استطاع الفنان محمد مصطفى داخل بنائه النحتى الرصين أن يشق أخدوداً يسرى فيه سلاف من طهارة اليد وبشرى الغد .. من عزة النفس وبهجة الطقس .

ثم يعود الفنان يوسف سيدة ( 1922م _ 1994م ) فيستحضر أهازيج النصر فى عمله التصويرى " نصر أكتوبر " " حيث قدم بألوانه الزيتية على التوال نسيجاً هرمياً خلط فيه اللغوى بالبصرى من خلال تعشيق رؤوس الجنود تحت خوذاتهم فى عبارات كتبها بأداء عفوى بدائى متداخل الألوان ، مثل " جيش مصر خطف النصر " ، " أرض المعركة " ، " حطام العدو " ، وداخل التكوين نثر العديد من الطائر حورس فى أوضاع مختلفة ، علاوة على بعض الأجساد الذكورية والأنثوية بزيها المصرى القديم ، فى تأكيد لصلابة الشخصية المصرية عبر الأزمان .. وأعتقد أن الفنان أراد هنا بعثرة الكلمات والعبارات ليبعد الصورة نسبياً عن الخطابة المباشرة ، ويقترب بها من الفرحة الطفولية المجسدة فى تلقائية الأداء على المسطح ، وهى المشاعر التى سيطرت آنذاك على الجيش والشعب معاً ، ملتحفين بعظمة التاريخ وكبرياء الأرض وعزم الإيمان ، لذا فقد بدت وشوش الجنود مكتسية بسيل من نور الشهداء ، إنسحب على مقاطع لغوية وبعض الطيور ، رغم سيادة الألوان الملتهبة لكل أركان الصورة ، وأظن أن تلك المزاوجة بين النور والنار هى لب الرسالة التعبيرية عند يوسف سيدة ، حيث أراد من خلالها إلتقاط روح أكتوبر حسياً وحدسياً من بئر عقائدى لاينضب ، إذ تفجر منه الدم المنير الذى روى أرض سيناء فى ساعات الصيام الرمضانى .. وعندما ارتفع أذان المغرب وقتذاك ، إندفع المصريون إلى مائدة إفطارهم المطعمة بحلاوة الإنتصار .

ثم تصحبنا الفنانة زينب عبد الحميد ( 1919م _ 2000م ) إلى المقهى ، ذلك المكان الذى يمثل للمصريين موطئاً للفضفضة ، وبراحاً لتفريغ الهموم ، وساحة للأنس والتسامر ، سيما فى شهر رمضان خلال الفترة مابين الإفطار وحتى قبيل السحور ، وفيها يختلط صوت البشر بكركرة الشيشة وطرقعة قشاط الطاولة وقطع الدومينو ، إضافة إلى رنين الملاعق على جدران أكواب الشاى والعناب والحلبة والقرفة ، حيث تكون العروق قد ابتلت ، والمعدة إطمأنت وتأهبت لصيام يوم جديد .. وفى واحد من أشهر أعمالها نرى زينب عبر ألوانها الزيتية على التوال وهى تطل كعادتها بعين الطائر من منظور علوى على أحد المقاهى الذى ازدحم برواده فى حلقات متداخلة ، تخللتها أنفاس الشيشة وبخار المشاريب الساخنة وعرق السوائل المثلجة وحمأة منافسات ألعاب التسلية ورصانة الحوارات الهامسة ، وقد حرصت الفنانة على تنوع التركيبة الإجتماعية على المقهى بين موظفين وحرفيين وفلاحين ، حيث صهرتهم جميعاً داخل نسيج إنطباعى يعتمد على اللمسة الخاطفة التى أهلت العمل للجمع بين طزاجة الإسكتش وبنائية العمل التصويرى ، وهو ماساعد الفنانة على سهولة الدمج بين الأصوات المختلفة على المقهى داخل الغزل النهائى للصورة المكتسية بالأزرق الصافى كغلاف لونى ملائم لحالة الشفافية البشرية الناجمة عن رغبة مضطردة فى البوح والمكاشفة ، وربما تكون تلك الخطوط السريعة المؤطرة للسحجات اللونية هى المعادل التصويرى عند زينب عبد الحميد لضبط ثورة الفرشاة داخل تلك الملحمية الثرية لمجتمع طالما صلى وصام وجاهد الإستعمار والهوان ، واستعان على شقاء السنين بالنكتة والضحكة والصبر على خداع الزهر ومكائد الدهر ، مستحضراً فرحة العروس عبر بهجة الطقوس .

ثم نعود ثانية إلى جبهة القتال برفقة الفنان محمد حامد عويس ( 1919م ) عبر عمله الشهير " العبور " الذى جسد فيه عام 1974م بألوانه الزيتية على التوال معزوفة العبور الفذ لقناة السويس فى حرب أكتوبر الرمضانية الخالدة ، من خلال ذلك الجندى الطائر فى سماء حمراء ملتهبة بنيران الإقتحام ، قابضاً فى يده اليمنى على شوكة ، وفى يده اليسرى على منجل ، فى إشارة إلى الفلاح المصرى الذى ارتدى الثوب العسكرى وقتذاك ليدافع عن شرف الأرض التى زرعها منذ آلاف السنين ، وقد أكد عويس هذا الرمز بخضار الزرع الماثل فى عمق الصورة والإزهار الظاهر على استحياء فى ركنها الأيسر السفلى ، بينما بدت على صدر الجندى ساعة نصف دائرية تحمل توقيت الثانية وخمس دقائق ، تلك اللحظات الرمضانية المباركة التى اندلعت فيها المعركة ، وقد ظهر الجندى وكأنه قادم من جوف الأفق ، متعملقا ومحلقاً فوق خط بارليف الذى بدا للرائى كمثل شطائر من الخبز أعدت للإلتهام ، سيما وأن بطن هذا المقاتل العفى قد دججت ببعض مواسير المدافع التى انكفأت إلى أسفل مع انحنائته ، وكأنها أفواه صائمة إشتاقت للإفطار على لحوم ودماء العدو عند منعطف فارق فى حياة الأمة ، تجلت فيه العقيدة كوتد من نور يستمسك به المستضعفون ، وهو ماقد يفسر اختراق ذلك الشهب الأبيض للصورة من يسارها العلوى ، معادلاً لسيادة الأحمر المشتعل فى معظم فضاء التكوين ، والعمل إجمالاً يشى بواقعية حامد عويس الرمزية التى يومىء بها هنا إلى حتمية الغلبة للحق والخير المسلحين بالقوة المادية والعقائدية على طفيليات الشر الكامنة فى حصون بارليف ، عبر مقابلة ساخرة بين ضخامة الجندى والشوكة والمنجل والمدافع ، وضآلة معمار ذلك المانع العسكرى المزعوم ، علاوة على إبرازه لضفيرة تخللت المشهد من عقيدتى الإنبات والجهاد ، بما ساهم فى إمداد الجسر الواصل بين البث والتلقى بقدر وفير من نشوة الحرث وحلاوة الإنتصار .

وإذا كنت فى هذا النص قد حاولت الإرتحال بين عدة مذاقات إبداعية تصويرية ونحتية ترتبط من وجهة نظرى بالنكهة التراثية لشهر رمضان ونصر أكتوبر الخالد ، عبر كشف عن آليات النفس الجمعية فى حالتى سلامها وثورتها ، إنما ليقينى الراسخ بأن التوازن الروحى لايأتى إلا بالكفاح البدنى ، وأن بركة هذه الأيام الرمضانية ستحل على كل طوائف الأمة ، إذا صامت عن شهوة الإنبطاح ، وأعرضت عن الهرولة لأحضان العدو ، حيث لم يجتمع الجهاد والتفريط يوماً ، ولاخلود لإبداع إلا بمتانة الرباط ، ولن نشعر ببهجة الطقوس سوى مع حلاوة الإنتصار .

محمد كمال

2011/ مقالى بجريدة نهضة مصر ( صفحة فنون جميلة ) _ الخميس _ 11 / 8



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبرز العلماء الأمازيغ الذين نسبوا الى العرب / موقع البوابة الامازيغية*

آعـظـم 100 كتاب فـي تـاريخ الـبشريـة ... (جميعها جاهزة للتحميل)

أعلام الموسيقى والغناء في العالم العربي الشيخ العربي بن صاري (1863-1964) / محمد بن عبد الرحمن بن صالح