في العرض الجديد لشبكة الفنانين المهاجرين في اوربا / علي النجار

الفنان التشكيلي والناقد علي التجار


.في العرض الجديد لشبكة الفنانين المهاجرين في اوربا
قوارب على حافة المياه الشمالية
..............................................
توركو) العاصمة القديمة لفنلندا, هي الآن مدينة للثقافة الأوربية في آخر دورة من دورات حواضنها المستمرة. طوبوغرافيا توركو ليست كما العديد من المدن الشمالية. فهي تجمع طرفي الحداثة المعمارية وقديمها المحكوم بالعمر العمراني الزمني. لكنها أيضا, ومن ناحية أخرى لا تختلف عن غالبية المدن الفنلندية أو الاسكندافية. كون رقعتها المعمارية مقتطعة من مساحة الغابة الفنلندية المترامية الإطراف. نهرها الذي يصب في بحر البلطيق وغير بعيد عن احد حوافها الساحرة, هو الذي اقترح على (فناني شبكة الفنانين المهاجرين في أوربا) أن تنصب أعمالهم الفنية بمحاذاة أجمل منظر منه (منحدرات هالنين ـ منطقة الشلال) الذي يحاذي احد أطراف المدينة. وكان اقتراح عنوان(الزورق) لمشروع العمل صائبا, كونه مكمل لمعادلة المياه والإبحار. لكن يبقى السؤال عالقا: أي من الزوارق سوف تستقر في هذه البقعة الندية عشبا وشجرا.
ثمانية فنانين من أقطار شتى جمعهم هاجس الإبداع الفني لينفذوا أعمالهم عند هذه الحافة النهرية. لكنهم لم يأتوا من أوطانهم الأم, بل من البلدان التي استوطنوها منذ أزمنة بعيدة أو حتى قريبة. وعلى ما يبدوا فان ارثهم الشخصي السابق واللاحق هو الذي قاد مجسات مخيلتهم إلى مسالك فنية إدراكية متعددة بقدر تعدد مصادرها الخفية, فجاءت حصيلة هذا الجهد المشترك لتحرك عند الآخر(المتلقي الفنلندي أو الأوربي عموما) تعاطفا ممزوجا بدهشة تقابل الثقافات, لا تصادمها. هذا ما أكدت عليه العديد من الصحف المحلية التي غطت هذا النشاط الفني الميداني, ولتضيف نقطة ايجابية لمجهود فناني هذه الشبكة الفنية المقيمة في هجرتها.
من الدانمرك جاءت الفنانة ذات الأصل الهنكاري(فيفيان بوندي ـ بالفاء الأعجمية المخففة) تحمل في حقيبتها قضبانا وأسلاكا وشبكة صيد وكراتها وبقية مستلزماتها, وأنشأت مقطعا علويا لزورق الصيد وما علق به من عوالق. لقد صنعت زورقها بمشهديه هي من بعض نتاج مشهديه التقنية الصناعية الأوربية, ومع ذلك فان عملها تماهى ومساحة الخضرة التي تحيط به.
الفنان العراقي المغترب عبد الأمير الخطيب لا يزال يواصل البحث عن جذور الكائنات وخلقها, في كل أعماله التي تنتمي لهذا البحث الجذري والتي لم يكن يهتم سواء كانت جذورها تعاشق الجماد أو الجسد أو النبات. هو وعلى ما يبدو يبحث دوما عن صلة الكائن بجذره لا بظاهرة الشاخص فقط. لذلك فليس غريبا علينا ان نشاهد زورقه مشتبكا بجذور هي جزء من مادة صنعه الخشبية. وان بدا الزورق مسنودا بصفائحه الخشبية, إلا ان جذره من بعض عطايا الغابة التي لا تنفذ عطاياها. لقد جمع الفنان صنعتين في عمل واحد: صنعة الزورق(الآلة) وصنعة الطبيعة الخام, لكنه استطاع أن يخلق من كل ذلك وحدة عضوية ترفل بنصاعة بياضها وطهره, ولا تخلو من الإدهاش.
الفنان اليوناني الأصل والمقيم في هلسنكي(ثانوس) ارتأى أن لا يقتحم منطقة مشهد الزورق المألوف ويصنع منه عمله الفني. هذا الفنان الملتبس بهم القهر أو العهر السياسي, لا يزال لا يود مفارقة منطقته الأثيرة. لقد صنع جزأين من دوامة أمواج بحرية على شكل أشرعة منحنية على قواعدها الفلينية وزرعها صور لمبدعين عالميين وشرائح مغتربة اخرى, كناية عن تناثر حظوظهم وأماكن أقاماتهم, موجات بشرية غادرت شرانق حواضنها الأولى خلال دروب هي مصائر لا تخلوا أحيانا من غرابة أو غواية عصية على فكاك روابطها الجديدة. عمل ثانوس أعاد لي وبقوة تذكارات نكبات الهجرة الغير شرعية وحظوظ بعض أناسها التي ابتلعتهم أمواج الضفاف العصية. لقد طغت الزرقة على هذا العمل المزدوج, زرقة بقدر ما تحمل من صفاء مياه البحر وأجواء السماء, بقدر ما يتربص تحت طبقاتها هلاك الذين هجرتهم أوطانهم.
اشترك كل من الفنانين: السوري(مصطفى آل ياسين) والعراقي المقيم في توركو(محسن العزاوي) في اخراج زورقهم. ان غلف الشعر أيام آل ياسين, فان العزاوي هو الآخر لم ينقطع بشكل من الأشكال عن الاستذكارات الأدبية. بل إن أيام هجرته بالذات لم تكن سوى سيلا من هذه الاستذكارات أو الذكريات. لذلك صنعوا زورقهم بأجنحة تلامس الأرض إطرافها, وليستقر على الأرض زورقهم المجنح غير مبال بكبوته ما دام محملا كتبا هي من بعض ثقافاتنا المهاجرة. لقد اختاروا له لون خضرة العشب وأودعوه خضرته الطبيعية أملا في اخضرار ما تيبس من عروقنا وهي تجوب جفاف الدروب أحيانا وخضرتها على حد سواء.
الفنان الهندي المقيم في انكلترا(افتار جيت) وكعادته ينسحب من منطقة الوضوح الصوري, لمنطقة التأويل المختزل. لكنه هنا لا يختزل, بل يبني هيكلا خشبيا هو اقرب إلى كابينة الهاتف العمومية. ويسدل على الجزء المفتوح منه قطعة قماش سوداء, ويثبت في النصف العلوي من واجهته الداخلية مستطيل بلاستيكي مظلل. لقد وضع هيكله بمحاذاة شلال المياه. وليكمل الداخل في جوف هذا الهيكل المعتم غرض الفنان من التوحد وشحذ حاسة السمع للتواصل وخرير المياه. هو هنا لم يصنع زورقا كما هو عنوان المشروع. لكنه خلق تخاطرا مع مياه النهر, وترك المتلقي في حيرة من أمر الاستشعار من عدمه.
من السويد حاول علي النجار البحث في ارثه الميثولوجي, ثم استقر على هيكل الزورق السومري, لذلك حور الزورق المتوفر لديه إلى مقاربا له, طلاه بالزفت كما مشحوف الأهوار. ثم أرساه حافة النهر وملأه صحونا ملونة هي كناية عن بضاعة من بحر الهند حتى الشرق الأوسط ثم جعل شريط الصحون يمتد متعديا الزورق والضفة حتى النهر. لقد اختار ملونته كما توابل الشرق ولون أطعمتها الملتهبة, وليبعث بعض من الدفء لمياه الشمال وأناسها.
وان كان من قول فصل في نجاح هذه الفعالية الفنية المغتربة في التواصل ومحيط الإقامة الشمالي. فقد قالته اليوميات الثقافية لصحف المدينة الفنلندية والسويدية.
*ـ افتتح العرض في(2011ـ08ـ11)
............................................
علي النجار
مالمو 2011ـ08ـ16

تعليقات

  1. صيقي المبدع علي مرجبا بك بمحرابك الجديد أردت بهدا أن يكون بمستوى أحبني وأصدقائي الفنانين والنقاد أمسح العنوان الأول وراسلني على العنوان الجديد

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبرز العلماء الأمازيغ الذين نسبوا الى العرب / موقع البوابة الامازيغية*

آعـظـم 100 كتاب فـي تـاريخ الـبشريـة ... (جميعها جاهزة للتحميل)

أعلام الموسيقى والغناء في العالم العربي الشيخ العربي بن صاري (1863-1964) / محمد بن عبد الرحمن بن صالح